النويري
39
نهاية الأرب في فنون الأدب
روحي ؟ قال : لا ، ولو أمرني اللَّه بذلك ما أمهلتك ، ولكنّه أمرني أن أصطحبك . فسأله إدريس أن يقبض روحه ؛ فقال له : وما تريد بذلك وللموت كرب عظيم ؟ قال : لعل اللَّه تعالى يحييني فأكون أكثر في عبادته . فأمره اللَّه بقبض روحه فقبضها ، وأحياه اللَّه تعالى لوقته . ثم قال إدريس له بعد حين : هل تستطيع أن تقفنى على جهنّم ؟ قال : ما حاجتك إلى ذلك ولها من الأهوال ما لا تطيق أن تنظر إليه ، وما لي سبيل إلى ذلك ، ولكني أقفك على طريق مالك خازنها ، واللَّه أعلم بحاجتك . فاحتمله ووقفه على طريق مالك ، فلما رآه كشر في وجهه ، فكادت روحه تخرج ، فأوحى اللَّه - عزّ وجلّ - إلى مالك : وعزّتى وجلالي لا رأى عبدي إدريس بعد كشرتك سوءا ، إرجع إليه وقفه على شفير جهنّم ليرى ما فيها . فوقفه مالك على شفيرها ونظر إلى ما فيها من الأهوال ، فلولا أن ثبّته اللَّه تعالى لصعق ؛ ثم أعاده إلى مكانه ، فاحتمله ملك الموت إلى الأرض ، فعبد اللَّه عزّ وجلّ حينا ؛ ثم قال لملك الموت : هل لك أن تدخلني الجنّة لأرى ما أعدّ اللَّه تعالى لأهل طاعته من النعيم ؟ فقال : حاجتك إلى اللَّه تعالى ، ولكنّى أحملك وأقف على طريق رضوان خازن الجنان فسله حاجتك . ففعل ذلك ؛ فلما رآه رضوان قال : من هذا ؟ قال : إدريس نبي اللَّه يريد أن ينظر إلى نعيم الجنان . قال : « ذلك إلى ربّى » . فأوحى اللَّه تعالى إلى رضوان : أنّى قد علمت ما يريد عبدي إدريس ، وقد أمرت غصنا من أغصان شجرة طوبى أن يتدلَّى إليه فيلتفّ به ويدخله الجنّة ، فإذا دخل فأقعده في أعلى موضع ؛ فلمّا دخلها إدريس ورأى ما فيها من النعيم قال له رضوان : أخرج الآن . قال له إدريس : أيدخل الجنّة من يخرج منها ؟ فحاجّه في ذلك ، فأرسل اللَّه تعالى له ملك الموت ، فقال له إدريس : ما حاجتك ؟ إنك لن تسلَّط على قبض روحي